أبي منصور الماتريدي

157

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

كالمجرمين ، وذلك مكتوب عندهم ، أو عند سلفهم علم الغيب ، فوجدوه « 1 » في كتبهم ، ويعلم به خلفهم ليخاصموك به ، ثم هم قوم لم يكونوا يؤمنون بالكتب ولا بالرسل ، فكيف يخاصمونك ويكذبونك فيما تخبرهم ؟ وإنما يوصل إلى التكذيب بما ثبت من العلم بخلافه ويتأيد بأحد الوجهين اللذين ذكرناهما . أو يكون هذا في موضع الاحتجاج عليهم حين زعموا أنا نعبد الأصنام ؛ ليقربونا إلى الله زلفى ، ويكونوا لنا شفعاء ، فما الذي « 2 » حملهم على هذه الدعوى أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون ؟ ! أو أن يكون القوم قد ألزموا أنفسهم الدينونة بدين الله - تعالى - وأقروا له بالألوهية ، وذلك يلزمهم العمل بما فيه تبجيل الله تعالى ، وما به يشكر الخلائق ، وذلك لا يعرف إلا [ بالرسل - عليهم السلام - ] « 3 » فقد عرفوا حاجة أنفسهم إلى من يعلمهم علم الغيب ، فما لهم امتنعوا عن الإجابة [ لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ] « 4 » مع حاجتهم إليه ، أي : ما عندهم علم الغيب ؛ فيستغنون به عن الرسول ، عليه السلام . وقوله - عزّ وجل - : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ . إن حكم الله تعالى في الرسل ثلاث : أحدها : ألا يدعوا على قومهم بالهلاك ، وإن اشتد أذاهم من ناحيتهم حتى يؤذن لهم . والثاني : ألا يفارقوا قومهم وإن اشتد بهم البلاء إلا بإذن الله تعالى . والثالث : ألا يقصروا في التبليغ وإن خافوا على أنفسهم . ثم من وراء هذا عليهم أمران : أحدهما : أنهم أمروا ألا يغضبوا إلا لله تعالى . والثاني : ألا يحزنوا لمكان أنفسهم إذا آذاهم قومهم ، بل يحزنوا لمكان أولئك القوم إشفاقا عليهم منه ورحمة بما يحل عليهم من العذاب بتكذيبهم الرسل ، فهذا هو حكم ربه . ويحتمل أن يكون قوله تعالى : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي : لا تجازهم بصنيعهم [ ولا تستعجل ] « 5 » عليهم ، بل اصبر لحكم ربك بما حكم عليهم من العذاب .

--> ( 1 ) في ب : فخلدوه . ( 2 ) في أ : فالذي . ( 3 ) في ب : بالرسول عليه السلام . ( 4 ) في ب : لرسوله عليه السلام . ( 5 ) سقط في أ .